الصحراويون يعدون بالليل

بقلم حمدي حمودي

تعتبر الثقافة هي كل المعارف التي يكتسبها الانسان، ولا شك أننا ابتعدنا شيئا ما عن ثقافتنا التي تراكمت لسنين طويلة عبر أجيال وأجيال...
حيث يبدأ الطفل باكتساب أو تعلم تلك العادات والتقاليد ودروس الحياة من محيطه الأول ويبدأ يراكم تلك المعارف شيئا فشيئا التي يمصها من أول رشة حليب من ثديي أمه.
ويعتبر المجتمع الصحراوي مجتمعا يزاوج بين تربية المواشي والصيد في البراري ورغم توفر مصادر أخرى للعيش كالساحل البحري الطويل إلا أن أغلبية الشعب الصحراوي كانت تمارس النشاطين السابقين الصيد والرعي بشكل رئيس.
غير أن فلسفة الانسان الصحراوي ليست في تحصيل لقمة البطن ومظاهر الحياة الخارجية، فقد كانت هناك امورأكثر تواجدا في حياته تتمثل في القيم النبيلة  التي كانت هاجس كل المجتمع وتطورت تلك الفلسفة الى درجات عالية من البحث عن الكمال الإنساني.
فقد أهتم بالأخلاق والسلوك وجلس يفكر ووقف يفكر ونام وهو يفكر في كيفية نسج أحسن الحلول لكل المعضلات التي تقف في وجهه لمجابهة هذه الأرض التي تبدو قاسية وهذا المناخ المتذبذب بين البرد القارس والحرارة الشديدة والرياح الهوجاء وكيف يمكن مسايرة كل تلك عوامل المناخ الثابت وتغيرات الطقس السريعة أحيانا.
وبدون شك فإن اهم ما يسهل على ملكة العقل ان تشتغل هو أن تبحث عن طريقة لتنظيم أسلوب الحياة فنظر الانسان الصحراوي الى السماء فوجد ان النجوم تطلع وتهبط بشكل منتظم فعمد الى هيكلة فصول السنة الى أربعة فصول
فصل الصيف حيث7 نجوم بين طلوع النجم والنجم الآخر 13 يوما
ثم فصل الخريف 7 نجوم وفصل الشتاء والربيع كلاهما 7 نجوم
وهذا نظم السنة [7+7+7+7] في 13 يوم فالمجموع هو 364 يوما
أي أيام السنة.
وبالتالي أصبحت عينه الى السماء فالصحراويون يعدون بالليل ,فحين يهبط النجم الفلاني يعيني أن نتحضر للرحيل للمكان الذي سنقضي به الشتاء مثلا
أما إذا طلع النجم كذا فلنستعد للرحيل قرب البئر لان الصيف حل والإبل والبشر تحتاج الى مزيدا من الماء وبالتالي فصل دفع الزكاة وهناك أيام الحر الشديد 40 يوما تسمى السمائم فهي صعبة للسفر والحركة والبحث عن الظل أما 40 البرد القارس ففيها عشرون للإبل وعشرون خطيرة على البشر وهكذا عرفوا ان بين كل فصل وآخر 25 يوما ففي مثل هذه الصور وتجارب الحياة أعدوا رزنامة سنوية وفصلية وشهرية بناء على حركة مطالع النجوم وأختفاؤها ...اما اليوم فقد قسمه الله تعالى بمواقيت الصلاة الخمس المعروفة فيقال بعد صلاة العشاء الخ...
وهكذا كانت حركة الانسان الصحراوي على درجة كبيرة من الحكمة التي لا تنتظم الا على التنظيم والذي سر نجاحه هو التقسيم والتصنيف...
إن تلك العقول الراجحة التي يتمتع بها الانسان الصحراوي كملكات والذي نظم تلك التجارب في نظم شعري وقصص رائعة...
إن من أسرار نجاح الأجداد هو سيطرتهم على تصور واضح لحركة الحياة على طول السنة بالتفاصيل الدقيقة وهو لعمري ما يجعلهم قادرين على تصور تطور الحياة بعد سنوات طويلة وبالتالي وضع السياسات الكفيلة بجبر الضرر قبل قدومه والاعداد للاحتمالات المفاجئة.
إننا يمكن أن نتصور ان الصحراويين استطاعوا أن يبقوا على ثبات أمام الاستعمار لسنوات طويلة ليس لشجاعتهم فقط بل لمؤهلات في عقول راجحة نكتشفها ونكتشف دلائلها الكثيرة كل يوم.
صحيح نؤمن بأهمية العلم الحديث ولا غنى عنه، ولكن في ثقافتنا من الكنوز التي جعلت شعبنا متماسكا وقويا وتغلب على كل الاكراهات، وليس هناك أجمل من أن نحافظ على تلك القيم ونقرأها جيدا ونعرف اليوم الكلمة الثمينة "من فاتك بليلة فاتك بحيلة".

إن من أهم القيم التي ظلت تميز شعبنا هي الخلق الرفيع والاحترام الصغير للكبير وعطف الكبير على الصغير ولا شك اننا سنخصص لها وقفة أخرى في محاولاتنا هذه للتنقيب على ما يميز شعبنا ويبرز هويته وما أكثره... 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الريف الجزائري بجماله الخلاق مع الشاعر الجزائري محمد العيد ال خليفة الرقيق المبدع الساحرة كلماته ...

في رحاب اللهجة الحسانية (17)

اجمل مما قيل في حب الوطن...القصيدة الرائعة "الحنين الى الوطن"